عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
138
أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور
فلما أن بكيت وفاض دمعي * رأت عيناي بينهم مكاني وقرئ على قبر : ولقد وقفت كما وقفت * وقد نظرت فما اعتبرت حصّل لنفسك منزلا * قبل الحصول كما حصلت وأوصى بعض الوزراء أن يكتب على قبره : أيها المغرور في الدنيا بعزّ يقينه * وبأهل وبمال وبقصر تبتنيه كم عليها قد سحبنا ذيل سلطان منيته * يحسب الأقدار تجري بجلود ترتجيه إذا طواك الموت طيّا * فاعتبرنا نحن فيه وروى ابن أبي الدنيا « 1 » ، عن محمد بن الحسين ، حدثني أبو عمر الضمري ، حدثني عبد اللّه بن صدقة بن مرداس البكري ، عن أبيه ، عن شيخ حدثه بقرية من بلاد أنطابلس ، قال : كان ثلاثة إخوة : أمير يصحب السلطان ويؤمر على المدائن والجلوس ، وتاجر موسر مطاع من ناحيته ، وزاهد قد تخلّى لنفسه وتخلى لعبادة ربه . قال : فحضرت العابد الوفاة ، فاجتمع عنده أخواه ، فقال لهما : إذا متّ فغسلاني وكفناني وادفناني على نشز من الأرض ، واكتبا على قبري : وكيف يلذّ العيش من هو عالم * بأن إله الخلق لا بدّ سائله فيأخذ منه مظلمة لعباده * ويجزيه بالخير الذي هو فاعله فإذا أنتما فعلتما ذلك ، فأتياني كل يوم لعلكما أن تتعظا . قال ففعلا ذلك ، فكان أخوه يركب في جنده حتى يقف على القبر ، فيقرأ ما عليه ، ويبكي ، فلما كان اليوم الثالث ، وأراد أن ينصرف ، سمع هدّة من داخل القبر ، كاد أن ينصدع لها قلبه ، فانصرف مذعورا فزعا ، فلما كان من الليل رأى أخاه في منامه ، فقال له : أي أخي وما الذي سمعت من قبرك ؟ قال : تلك هدّة المقمعة ، قيل لي : رأيت مظلوما ، فلم تنصره . فأصبح مهموما فدعا أخاه وخاصّته ، وقال : ما أرى أراد بما أوصى أن يكتب على قبره غيري ، وإني أشهدكم أن لا أقيم بين ظهرانيكم أبدا . قال : فترك الإمارة ، ولزم الكتابة ، وكتب إلى الملك بن مروان في ذلك ، فكتب أن خلّوه وما أراد ، فحضرته الوفاة ، وهو في جبل مع بعض الرعاة ، فبلّغ أخاه ، فأتاه ، فقال له : إذا مت فادفني إلى جنب أخي ، واكتب على قبري : وكيف يلذّ العيش من كان موقنا * بأن المنايا بغتة ستعاجله
--> ( 1 ) في « القبور » ( 218 ) .